سلامة القرآن من التحريف
لا ريب ولا خلاف في أن القرآن المجيد الموجود الآن بين أيدي المسلمين هو كلام الله
المنزل على رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهو المعجزة الخالدة له ،
وهو الذي أوصى أمته بالرجوع إليه ، والتحاكم إليه ، وأفاد في حديث الثقلين المتواتر بين
الفريقين أن القرآن والعترة هما الثقلان اللذان تركهما في أمته لئلا تضل ما دامت متمسكة
بهذين الثقلين .
هذا الحديث مروي بهذه الصورة التي أنتم تعلمونها ، وفي أحد ألفاظه :
إني تارك فيكم الثقلين :
كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا
علي الحوض .
إلا أن بعض العامة يروون هذا الحديث بلفظ : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنتي ،
وقد أفردنا رسالة خاصة بهذا الحديث ،
وهي رسالة مطبوعة منتشرة في تحقيق هذا الحديث سندا ، ودلالة ،
إلا أني ذكرته هنا لغرض ما .أئمتنا صلوات الله عليهم اهتموا بهذا القرآن بأنواع الاهتمامات،
فأمير المؤمنين أول من جمع القرآن ،أو من أوائل الذين جمعوا القرآن ، وهو والأئمة من
بعده كلهم كانوا يحثون الأمة على الرجوع إلى القرآن ،
وتلاوة القرآن ، وحفظ القرآن ، والتحاكم إلى القرآن ، وتعلم القرآن ، إلى آخره .
وهكذا كان شيعتهم إلى يومنا هذا .
والقرآن الكريم هو المصدر الأول لاستنباط الأحكام الشرعية عند فقهائنا ،
يرجعون إلى القرآن في استنباط الأحكام الشرعية واستخراجها .
إذن ، هذا القرآن الكريم ، هو القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالى ،
وهو الذي اهتم به أئمتنا سلام الله عليهم ،
وطالما رأيناهم يستشهدون بآياته ، ويتمسكون بآياته ، ويستدلون بها في أقوالهم المختلفة ،
فإذا رجعنا إلى الروايات المنقولة نجد الاهتمام بالقرآن الكريم والاستدلال به في كلماتهم بكثرة ،
سواء في نهج البلاغة أو في أصول الكافي أو في سائر كتبنا ،
والمحدثون أيضا عقدوا لهذا الموضوع أبوابا خاصة ، ولعل في كتاب الوافي أو بحار الأنوار غنى
وكفاية عن أي كتاب آخر ، حيث جمعوا هذه الروايات في أبواب تخص القرآن الكريم .
أعلي
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خلف في أمته القرآن ، وأمرهم بالتمسك بالقرآن مع العترة ،
وعلى فرض صحة الحديث الآخر ، أمرهم بالتمسك بالكتاب والسنة ، إلا أن من الأصحاب الذين
يقتدي بهم العامة من قال :
حسبنا كتاب الله ، ففرق هذا القائل وأتباعه بين الكتاب والعترة ، أو بين الكتاب والسنة ،
وحرموا الأمة الانتفاع والاستفادة من العترة أو من السنة ، وقالوا : حسبنا كتاب الله ،
إلا أنهم لم يحافظوا على هذا القرآن الكريم ،
هم الذين قالوا : حسبنا كتاب الله ، تركوا تدوين الكتاب الكريم إلى زمن عثمان ،
يعني إلى عهد حكومة الأمويين ، فالقرآن الموجود الآن من جمع الأمويين في عهد عثمان ،
كما أن السنة الموجودة الآن بيد العامة هي سنة دونها الأمويون ،ولسنا الآن بصدد الحديث
عن هذا المطلب.المهم أن نعلم أن الذين قالوا :حسبنا كتاب الله ، لم يرووا القرآن،
تركوا تدوينه وجمعه إلى زمن عثمان.ولكن عثمان الذي جمع القرآن هو بنفسه قال :إن فيه لحنا ،
والذين جمعوا القرآن على عهد عثمان وتعاونوا معه في جمعه قالوا :إن فيه غلطا ،
قالوا :إن فيه خطأ .إلا أنك لا تجد مثل هذه التعابير في كلمات أهل البيت (عليهم السلام ) ،
لا تجد عن أئمتنا كلمة تشين القرآن الكريم وتنقص من منزلته ومقامه ، بل بالعكس كما أشرنا من قبل ،
وهذه نقطة يجب أن لا يغفل عنها الباحثون ، وأؤكد أنك لا تجد في رواياتنا كلمة
فيها أقل تنقيص للقرآن الكريم .فالذين قالوا :حسبنا كتاب الله ، وأرادوا أن يعزلوا الأمة عن
العترة والسنة ، أو يعزلوا السنة والعترة عن الأمة ،هم لم يجمعوا القرآن ، وتركوا جمعه
إلى زمن عثمان ، وعثمان قال :إن فيه لحنا .وقال آخر :إن فيه غلطا .
وقال آخر :إن فيه خطأ .(1)ثم جاء دور العلماء ، دور الباحثين ، دور المحدثين ،
فمنذ اليوم الأول جعلوا يتهمون الشيعة الإمامية الاثني عشرية بأنهم يقولون بتحريف القرآن .
-----------------
* هامش *
(1) راجع : الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2 / 47 ، تفسير الرازي 22 / 74 ،
الإتقان في علوم القرآن 1 / 316 ، فتح الباري 8 / 301 ، معالم التنزيل . ( * )
أعلي
إن للتحريف معاني عديدة :
التحريف بالترتيب : هناك معنى للتحريف لا خلاف بين المسلمين في وقوعه في القرآن الكريم ،
يتفق الكل على أن القرآن الموجود ليس تدوينه بحسب ما نزل ،
يختلف وضع الموجود عن تنزيله وترتيبه في النزول ،
وهذا ما ينص عليه علماء القرآن في كتبهم ، فراجعوا إن شئتم كتاب الإتقان لجلال الدين السيوطي ،
ترونه يذكر أسامي السور ، سور القرآن الكريم بحسب نزولها .
وأي غرض كان عندهم من هذا الذي فعلوا ؟ لماذا فعلوا هكذا ؟ هذا بحث يجب أن يطرح ،
فقد قلت لكم إن المجلس الواحد لا يكفي.ترتيب السور وترتيب الآيات يختلف عما نزل عليه القرآن
الكريم ، ترون آية المودة مثلا وضعت في غير موضعها ، آية التطهير وضعت في غير موضعها ،
ترون آية ( أكملت لكم دينكم ) وضعت في غير موضعها ،
سورة المائدة التي هي بإجماع الفريقين آخر ما نزل من القرآن الكريم ،
ترونها ليست في آخر القرآن ، بل في أوائل القرآن ، ما الغرض من هذا ؟
فهذا نوع من التحريف لا ريب في وقوعه ، وقد اتفق الكل على وقوعه في القرآن .
التحريف بالزيادة :وهناك معنى آخر من التحريف اتفقوا على عدم وقوعه في القرآن ،ولا خلاف في ذلك ،
وهو التحريف بالزيادة ، اتفق الكل وأجمعوا على أن القرآن الكريم لا زيادة فيه ،
أي ليس في القرآن الموجود شئ من كلام الآدميين وغير الآدميين ، إنه كلام الله سبحانه وتعالى فقط .
نعم ينقلون عن ابن مسعود الصحابي أنه لم يكتب في مصحفه المعوذتين ( 1 ) ، قال :
لأنهما ليستا من القرآن .إلا أن الكل خطأه ، حتى في رواياتنا أيضا خطأه الأئمة سلام الله عليهم .
أعلي
* هامش *
(1) مسند أحمد 5 / 129 ، الإتقان في علوم القرآن 1 / 271 . ( * )
--------------
فليس في القرآن زيادة ، وهذا معنى آخر من التحريف .
التحريف بالنقصان :المعنى الذي وقع فيه النزاع هو التحريف بمعنى النقصان :
بأن يكون القرآن الكريم قد وقع فيه نقص ،
بأن يكون غير مشتمل أو غير جامع لجميع ما نزل من الله سبحانه وتعالى
بعنوان القرآن على رسوله الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم )،
هذا هو الأمر الذي يتهم الشيعة الإمامية بالاعتقاد به .
|